الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني

246

هداية المسترشدين ( طبع قديم )

فيهما إلا أنه لم يرد في الشريعة شيء من ذلك القبيل إلا ما تضيق بسبب تأخير المكلف وحينئذ لا يمكن الاستدلال ببطلان أحدهما من جهة الأمر بالآخر ولا يتفاوت الحال من جهة كون أحدهما أهم بل الحق التخيير وتحقق الإثم بسبب ترك ما يختار حينئذ تركه إن كان التأخير للتقصير بل لا يبعد القول بوجوب كل منهما في هذا الوقت على سبيل التخيير وبين الأجزاء السابقة من الوقت كما كان كذلك من أول الأمر وتحتم الفعل حينئذ بمعنى عدم جواز التأخر عنه لا يرفع التخيير فيه بالنسبة إلى ما تقدمه وأما في المضيقين الغير الموقتين فإن كان ذلك في أول وقت وجوبهما فالتخيير إن لم يكن بينهما ترتيب وأما إذا مضى من أول وقت وجوبهما بقدر فعل أحدهما ففيه الاحتمالان المذكوران من كون وجوبهما في كل جزء من الزمان تخييريا لكن مع تحقق الإثم على ترك ما تركه منهما بسبب تقصيره في التأخير إن كان تقصير وكون وجوبهما في كل جزء منه حتميا بمعنى عدم جواز تأخيرهما وعلى أيّ تقدير فلا يمكن الاستدلال على النهي من أحدهما بالأمر بالآخر وأنت خبير بضعف ما ذكره من وجوه الأول أن ما ذكره من صحة الموسع المأتي به في وقت المضيق وإن عصى بترك المضيق فيه محل نظر إذ مع كونه مأمورا بأداء المضيق في ذلك الزمان تعيينا كيف يكون مأمورا بفعل الموسع فيه أيضا وليس الأمر به مع تعيين الآخر عليه وعدم رضاه بإتيان غيره فيه كما هو مقتضى التعيين إلا تدافعا فإذا انتفي الأمر به فكيف يعقل حينئذ صحة الموسع الواقع فيه وهذا هو ما أراده الشيخ رحمه الله فقوله إذ لا قاضي إلى آخره كلام ظاهري غير مبني على وجه صحيح نعم نحن نقول هنا بالصحّة ولكن من الوجه الذي قررناه من حصول التقييد في الجملة وبناء التكليفين في الترتيب حسبما مر وهو أمر آخر ولو أراد ذلك كان عليه بيانه وكان ما ذكره عين ما ادعى سابقا من عدم المنافاة بين الوجوب المضيق والموسع وقد عرفت وهنه الثاني أن ما ذكره من عدم تفاوت الحال في المقام من جهة كون أحدهما أهم غير متجه كيف واهتمام الشرع ببعض الواجبات قاض بتعيين الأخذ به ألا ترى أنه لو دار الأمر بين إزالة النجاسة عن المسجد أو أداء الشهادة وحفظ نفس المؤمن قدم عليهما وكذا لو دار بين أداء الدين أو الإتيان بالصلاة أو الصيام وبين حفظ المؤمن عن التلف أو حفظ بيضة الإسلام قدما عليهما قطعا وكذا لو دار بين حفظ نفس المؤمن وحفظ بيضة الإسلام إلى غير ذلك مما لا يحصى ودعوى التخيير بين الأمرين في أمثال تلك المسألة كان الضرورة تشهد بخلافها وحينئذ فبعد تحتم الإتيان بالأهم إذا تلبس بالآخر يجري فيه ما ذكره من انتفاء الأمر بالنسبة إليه ولا مناص عما قرره إلا ما ذكرنا الثالث أن ما ذكره من وجوب الفعل في آخر الوقت على سبيل التخيير بينه وبين الأول غير مفهوم المعنى فإن أراد به أن وجوبه الحاصل له من أول الأمر إنما هو على سبيل الوجه المذكور فذلك مما لا ربط له في المقام وإن أراد به بقاءه حينئذ على تلك الحال كما هو صريح كلامه في بيان الوجه فيه فهو ظاهر الفساد إذ مع تركه في تلك الأزمنة وتأخيره إلى آخر الوقت يتعين عليه الفعل حينئذ قطعا بمقتضى التوقيت كيف والواجبات التي نص الأمر على التخيير بينها لو انحصر مقدور المكلف في أحدها تعين عليه ذلك وسقط عنه البواقي وارتفع التخيير بالنسبة إليه فكيف يعقل لنا التخيير في المقام مع وضوح امتناع إتيان الفعل في الماضي فكيف يعقل عدم رفع تحتم الفعل حينئذ التخيير فيه بالنسبة إلى الماضي حسبما ادعاه الرابع أن قوله فالتخيير إن لم يكن بينهما ترتيب إن أراد به عدم الترتيب المأخوذ فيهما بحسب تكليف الآمر وتشريعه فحكمه بالتخيير باطل غير متجه وكأنه يقول حينئذ بعدم العبرة بالأهمية أيضا حسبما مر وقد عرفت ضعفه وأنَّى ثمرة ما ذكره وإن أراد به الأعم من ذلك وإن كان بعيدا عن سياق كلامه ففيه أيضا ما عرفت من وضوح الثمرة فيما إذا كان الترتيب من جهة الأهمية فكيف غض النظر عنه ثم إن ما ذكره من الوجهين في هذه الصورة قد عرفت ما فيه وكان لفظ النهي عن قوله فلا يمكن الاستدلال على النهي من أحدهما الأمر بالآخر وقع سهوا وكان عليه أن يذكر مكانه عدم الأمر ثانيها أنه ذكر بعض المتأخرين أن الأمر بالشيء على وجه الوجوب لا يقتضي عدم الأمر بضده على وجه الاستحباب إذ لا تناقض في إيجاب عبادة في وقت مخصوص واستحباب أخرى فيه بعينه ولا شك في صحة التصريح به من دون تناقض وأنت خبير بأنه إن قيل بجواز ورود الخطابين المفروضين في مرتبة واحدة إذ ليس في تكليف الندبي إلزام على المكلف ليلزم بسببه التكليف بأحدهما فهو بين الفساد لوضوح امتناع التكليف بالضدين معا على سبيل الاستحباب سواء عدّ الندب تكليفا في الحقيقة أو لا فكيف مع كون التكليف بأحدهما وجوبيا والآخر ندبيا وإن قيل بجواز ورودهما مرتبين كما ذكره الفاضل المذكور في بيان ما ذكره فهو حق كما قدمناه لكن لا وجه لتخصيصه الحكم بالندب على ما يستفاد من كلامه لجريانه بالنسبة إلى التكليف الوجوبي أيضا حسبما قررناه ثالثها أن الأمر بالشيء على وجه الندب يقتضي النهي من تركه تنزيها قطعا حسبما مر في بيان دلالة الأمر الإيجابي على النهي عن الضد العام لكن لا يسمى ذلك كراهة إذ هو عين استحباب الفعل فإن رجحان الفعل على الترك عين مرجوحية الترك بالنسبة إليه حسبما مرت الإشارة إليه وهل يقتضي ذلك مرجوحية أضداده الخاصة الحق ذلك لعين ما عرفت في بيان دلالة الأمر الإيجابي على النهي عن أضداده الخاصة لكن لا يقتضي ذلك كراهتها بحسب الاصطلاح لما عرفت من أن المرجوحية المذكورة من حيث كون ذلك الترك من مقدمات المستحب المفروض لكون ترك أحد الضدين مقدمة لفعل الآخر فلا يقتضي ذلك إلا مرجوحية ذلك الفعل على تركه من حيث كون تركه مؤديا بالنسبة إلى ذلك المندوب ولا ينافي ذلك استحبابه في نفسه ورجحان فعله على تركه بملاحظة ذاته بل ورجحانه على المستحب المفروض أيضا ولا تدافع لما عرفت من انتفاء المضادة في ذلك وجواز اجتماع الجهات المتقابلة في الشيء وإن كان الحكم تابعا لما هو الأولى فلا يفيد الجهة المفروضة إذن إلا مرجوحية غيرية لفعل الضد من تلك الجهة الخاصة وأين ذلك من الكراهة المصطلحة رابعها أن النهي عن الشيء تحريما هل يقتضي الأمر بضده إيجابي أو لا قيل النزاع فيه بعينه النزاع في الأمر في ادعاء العينية والاستلزام قلت إن مفاد النهي هو طلب ترك الشيء على سبيل الحتم فكون الضد العام لإيجاد الشيء أعني تركه مطلوبا هو عين مفاد النهي عن الشيء فلا مجال هنا لتوهم النزاع فيه حسبما توهم في مسألة الأمر على ما مر ولا نزاع في كونه على سبيل التضمّن أو الالتزام حسبما وقع الخلاف فيه هناك كيف وليس حقيقة النهي على حسب حده المشهور إلا طلب الترك فليس ذلك إذن حكما آخر على ما مر تحقيقه وفي ذلك إيضاح